*بقلم الباحث في الإقتصاد السياسي أحمد بهجة*
تماماً كما فعل رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في خطاب القسَم، التزمت الحكومة برئاسة القاضي نواف سلام في بيانها الوزاري بأن تبذل كلّ الجهود اللازمة لإعادة الإعمار والبناء في المناطق التي تعرّضت أبنيتها ومنازلها ومؤسّساتها التجارية والصناعية والسياحية وأراضيها الزراعية للدمار الكامل أو شبه الكامل خلال الحرب الوحشية البربرية التي شنّها العدو الإسرائيلي على لبنان في خريف العام 2024.
ولكن... بعد مرور تسعة أشهر على تشكيل الحكومة يتبيّن على أرض الواقع أنها لم تفعل شيئاً سوى بعض الكلام العابر أمام الإعلام في مناسبات متعدّدة، أما فعلياً فلم تتخذ الحكومة أيّ إجراء أو قرار يفيد بأنّ الأمور تسير على السكة الصحيحة، حتى لو تأخر التنفيذ بفعل الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على الجنوب اللبناني وأحياناً على البقاع والضاحية أيضاً...
ولا يقتصر التقاعس الحكومي فقط على جانب الإعمار والبناء، بل يطال كلّ مجال آخر، سياسي واجتماعي واقتصادي ومالي وغيره، باستثناء ما يقوم به الجيش اللبناني الذي ينفذ ما كلّفه به مجلس الوزراء في منطقة جنوبي الليطاني بالتعاون الكامل بينه وبين المقاومة، ولكن مَن يعيق اكتمال هذه المهمة هو العدو الإسرائيلي الذي لم ينفذ ما عليه من التزامات ورَدت في اتفاق وقف الأعمال العدائية، كآلية لتنفيذ بنود القرار 1701 الصادر عام 2006...
على العكس من ذلك تماماً، حيث لا يزال هذا العدو يحتلّ أجزاء من الأراضي اللبنانية، ويقوم باعتداءات يومية ضدّ لبنان واللبنانيين وبشكل خاص الجنوبيين الذين يدفعون باللحم الحي ثمن مواجهتهم لهذا العدو وثمن الصمود الأسطوري لشباب المقاومة الذين منعوه من تحقيق أيّ تقدّم يُذكر على الأرض طوال سبعين يوماً امتدّت من 17 أيلول إلى 27 تشرين الثاني 2024.
وما دمنا ذكرنا حرب تموز ـ آب 2006، فإنّ ما يجدر التذكير به هو أنّ السلطة آنذاك بقيادة الرئيس المقاوم العماد إميل لحود وضعت الإطار القانوني لإعادة الإعمار، ثم عند التنفيذ أتت المساعدات من جهات عديدة لكنها مرّت في هذا الإطار القانوني الذي سهّل العمل على الجميع.
كذلك فإنّ الحكومة السابقة برئاسة نجيب ميقاتي كانت قد بدأت جملة إجراءات واتخذت مجموعة قرارات نُفذ منها موضوع إزالة الركام، بشكل خاص في الضاحية الجنوبية. وأيضاً عقدت الحكومة في 7 كانون الأول 2024 (أيّ بعد عشرة أيام فقط على اتفاق وقف إطلاق النار) جلسة لها في صور كتعبير رمزي عن الدعم الرسمي الكامل لأبناء الجنوب حتى ولو أنّ الإمكانيات لا تسمح بالتعويض الفوري للناس عن كلّ الأضرار والخسائر الناجمة عن العدوان الهمجي.
غير أنّ الحكومة الحالية لم تواصل تنفيذ الخطوات الباقية، بل أوقفت كلّ شيء، ولولا أنّ مجلس الجنوب قام بالمسوحات الكاملة لما كان هناك أيّ أثر لعمل رسمي في المناطق المتضرّرة، ولكن عمل مجلس الجنوب يحتاج إلى متابعة حكومية خاصة لجهة وضع آلية واضحة لتحديد قيمة التعويضات وكلفتها.
وأمام هذا التقصير الحكومي الفاضح وجد رئيس مجلس النواب نفسه معنياً بالتدخل في هذا المجال، لأنه الأكثر حرصاً على الجنوب وأهله كما على الضاحية والبقاع وكلّ المناطق اللبنانية، فكان أن دعا لعقد اللقاء التنسيقي التمهيدي التحضيري الأول بعنوان "نحو إعادة الإعمار" في مجمع نبيه بري الثقافي في الرادار ـ المصيلح، كموقع جرى على مقربة منه استهداف المعدات والآليات المعنية بعملية إعادة الإعمار والبناء.
ووصف الرئيس بري اللقاء بأنه «البداية من أجل وضع خطة للبدء بإعادة الإعمار»، مضيفاً "انّ هذا الأمر يتطلّب متابعة من الجهات المعنية في الدولة، وإيلاءه الأهمية القصوى، وتوفير المستلزمات والإمكانات لإطلاق عجلة إعمار المناطق المتضرّرة جراء العدوان الإسرائيلي بصورة عاجلة».
وفي حين عبّر رئيس الجمهورية عن موقف إيجابي متقدّم وأوفد مستشاره لشؤون إعادة الإعمار الوزير الدكتور علي حمية للمشاركة في اللقاء، والمساهمة الفعّالة في النقاش لكي يتحقق الغرض المطلوب، فإنّ المعلومات من مصادر متعدّدة أفادت بأنّ رئيس الحكومة أجرى اتصالات كثيرة وضغط على بعض الوزراء لكي لا يشاركوا في اللقاء بعدما كانوا قد أكدوا للمنظّمين أنهم سيحضرون!
وبالسؤال عن سبب قيام رئيس الحكومة وفريقه بهذا الفعل المشين، فإنّ الجواب السريع يأتي ليفيد بأنّه ينفذ تعليمات خارجية واضحة لا لبس فيها بمنع إعادة الإعمار، وهو أمر غير جديد وقد بدأت إشاراته تتوالى منذ تشكيل الحكومة الحالية من خلال التضييق المالي ومنع المساعدات ووقف الطيران الإيراني وإجراءات مصرف لبنان ضدّ مؤسسات محسوبة على المقاومة... فضلاً عن الاستهدافات السياسية والأمنية ومجاراة الخارج في المسعى الهادف لإفقاد لبنان كلّ عناصر قوته من خلال استهداف سلاح المقاومة...
لن ندخل اليوم في التفاصيل، وهي كثيرة جداً على هذا الصعيد، إنما نكتفي بالقول مع الرئيس نبيه بري والأمين العام لحزب الله سماحة الشيخ نعيم قاسم إنّ المقاومة ومسؤوليها وبيئتها وأهلها ومناطقها وكلّ الشرفاء في هذا البلد سيجدون الوسائل اللازمة مهما كانت التضحيات، لكي يعيدوا الإعمار والبناء ويستمرّوا واقفين على أقدامهم وثابتين في الأرض لمنع أيّ أحد مهما كان من أخذ البلد إلى مسار الاستسلام والرضوخ بدلاً من مسار العزة والكرامة الذي ترسّخ على مدى العقود الماضية...





